ابن إدريس الحلي

538

السرائر

مع تعذر تنفيذ الحق ، يقتضي الحكم بالجور ( 1 ) ، مع كونه كذلك ينافي الحكم بغير علم واعتبرنا اجتماع العقل والرأي ، لشديد ( 2 ) حاجة الحكم إليهما ، وتعذره صحيحا من دونهما . واعتبرنا سعة الحلم ، لتعرضه بالحكم بين الناس للبلوى بسفهائهم ، فيسعهم بحلمه . واعتبرنا البصيرة بالوضع ، من حيث كان الجهل بلغة المتحاكمين إليه يسد طريق العلم بالحكم عنه ( 3 ) ويمنع من وضعه موضعه . واعتبرنا الورع ، من حيث كان انتفاؤه لا يؤمن معه الحيف في الحكم لعاجل رجاء أو خوف من غيره سبحانه . واعتبرنا الزهد لئلا تطمح نفسه ( 4 ) ما لم يؤته الله تعالى ، فيبعثه ذلك على تناول أموال الناس ، لقدرته عليها ، وانبساط يده بالحكم فيها . واعتبرنا التدين ، من حيث كان تقليد الحكم رياسة دنيوية ، أو الاستعلاء على النظراء ، أو للمعيشة لا يؤمن معه جوره ، ولا يتقى ( 5 ) ضرره . واعتبرنا القوة وصدق العزيمة في تنفيذ الأحكام ، من حيث كان الضعف مانعا من تنفيذ الحكم على موجبه ، ومقصرا بصاحبه عن القيام بالحق ، لصعوبته وعظيم المشقة في تحمله . فمتى تكاملت هذه الشروط ، فقد أذن له في تقلد الحكم ، وإن كان مقلده ظالما متغلبا . وعليه متى عرض لذلك أن يتولاه لكون هذه الولاية أمرا بمعروف ، ونهيا عن منكر ، تعين غرضهما بالتعريض للولاية عليه ، وهو إن كان في الظاهر من قبل المتغلب ، فهو في الحقيقة نائب عن ولي الأمر عليه السلام في الحكم ، ومأهول له لثبوت الإذن منه ومن آبائه عليهم السلام لمن كان بصفته في ذلك ، فلا يحل له

--> ( 1 ) ج . بالجور وفيه مع . ل . بالجور فيه وهو مع . ( 2 ) ج . ل . لشدة . ( 3 ) ج . عنده . ( 4 ) ج . ل . نفسه إلى ما لم . ( 5 ) ج . ل . لا ينفي .